القدرة، القوة، القوات
ترتبط كلمتا القدرة والقوة بأن يكون عند الشخص امكانية القيام بعمل معيَّن، وكذلك ترتبطان بإنجازه للعمل. في الاسفار العبرانية، نجد كلمة كواح التي تُترجم في الغالب الى «قوة». كما ترد كلمة جِبوراه التي تُنقل اجمالا الى «قدرة» و «اقتدار» وأيضا الى «جبروت». كذلك ترد كلمة عوز التي تُنقل عموما الى «عزة» و «قوة». وقد تُستعمل في الترجمة مترادفات اخرى. اما الكلمة اليونانية ديناميس، فهي تُنقل الى «قدرة» و «قوة» وأيضا الى «قوات» بحسب السياق. وتنقل بعض الترجمات «قوات» الى «اعمال قوية» احيانا (شد) وإلى «اعمال عظيمة» (عج).
عند انتهاء «اليوم» الخلقي السادس، بدأ ‹اللّٰه يستريح من جميع عمله الذي عمله خالقا›. (تك ٢:٢، ٣) لكنَّ هذا لا يعني ان قدرته دخلت في سبات او صارت في حالة ركود. فما استراح اللّٰه منه هو تلك الاعمال الخلقية. وبعد مرور اكثر من ٠٠٠,٤ سنة على الانتهاء من خلق الارض وما فيها، قال ابنه: «ابي ما زال يعمل حتى الآن وأنا لا ازال اعمل». (يو ٥:١٧) ولم تقتصر اعمال يهوه على الحيز الروحي. فكثيرا ما نقرأ في سجل الكتاب المقدس عن اعمال ليهوه اظهر فيها قوته وجبروته خلال تعاملاته مع البشر. صحيح ان اللّٰه في بعض الاحيان ‹لزم الصمت وضبط نفسه›، ولكن كلما حان وقته المعيَّن ليتدخل، اتخذ اجراءات حاسمة بكل «اقتدار». — اش ٤٢:١٣، ١٤؛ قارن مز ٨٠:٢؛ اش ٦٣:١٥.
«العمل» هو نشاط يقوم به الشخص لتحقيق غاية. وحين يقوم يهوه بعمل، لا يطلق قواه بطرق عشوائية لا يُفهم سببها. فأعمال يهوه فيها تنسيق ولها قصد وتهدف الى بلوغ غاية محدَّدة. صحيح ان يهوه يمدُّ الكون والمخلوقات الحية التي فيه بالقدرة من عنده ليدعم وجودها (مز ١٣٦:٢٥؛ ١٤٨:٢-٦؛ مت ٥:٤٥)، لكنه ليس مثل محطة توليد الطاقة التي توزِّع الكهرباء بطريقة عشوائية. فأعماله تُظهر انه إله عنده شخصية وقصد. ايضا، على مر التاريخ، تدخَّل اللّٰه بشكل واضح في شؤون البشر في اوقات محدَّدة، وفي اماكن معيَّنة، وفي مسائل تخصُّ اشخاصا او شعوبا معيَّنين. وبما انه ‹الاله الحي الحقيقي› (١ تس ١:٩؛ يش ٣:١٠؛ ار ١٠:١٠)، فهو يعرف جيدا كل ما يجري في الكون، ويتصرف بناء على مجريات الاحداث، كما يأخذ المبادرة ايضا لفعل ما يلزم لتحقيق قصده.
في كل الحالات التي عبَّر فيها اللّٰه عن مدى قوته، كانت قدرته منسجمة مع عدله. (مز ٩٨:١، ٢؛ ١١١:٢، ٣، ٧؛ اش ٥:١٦) وفي كل مرة، تعلَّمت خلائقه درسا. فمن ناحية اولى، تعلَّموا ان خوف يهوه «يليق» به، لأنه إله «يتطلب التعبد المطلق» وهو «نار آكلة» ضد الذين يفعلون الشر. ولذا «مخيف هو الوقوع في يدَي اللّٰه الحي». (ار ١٠:٦، ٧؛ خر ٢٠:٥؛ عب ١٠:٢٦-٣١؛ ١٢:٢٨، ٢٩) فلا يجوز ان يتلاعب به احد. — خر ٨:٢٩.
ومن ناحية اخرى، يستخدم يهوه قوته بطريقة اروع حين يكافئ الاشخاص المستقيمين الذين يطلبونه من كل قلبهم. وهو يقوِّيهم ليقوموا بالمهام المعيَّنة لهم وينجزوا عملهم الضروري (مز ٨٤:٥-٧؛ اش ٤٠:٢٩-٣١)، ويدعمهم ليحافظوا على احتمالهم تحت الضغط (مز ٤٦:١؛ اش ٢٥:٤)، ويعيلهم ويؤمِّن طعامهم (مز ١٤٥:١٤-١٦)، ويحميهم ويخلِّصهم ويحرِّرهم حين يتعرضون للخطر وللاعتداء. (مز ٢٠:٦، ٧) ‹فعينا يهوه تجولان في كل الارض ليُظهر قوته لأجل الذين قلبهم كامل نحوه›. (٢ اخ ١٦:٩) والذين يعرفونه يجدون ان اسمه هو «برج حصين» يلجأون اليه للحماية. (ام ١٨:١٠؛ مز ٩١:١-٨) وعندما يطَّلع الشخص على اعماله الجبارة، يتأكَّد ان اللّٰه يسمع صلوات خدامه الذين يثقون به. ويعرف ان اللّٰه قادر ان يستجيب لهم بالقيام بأعمال عادلة ومدهشة حين يلزم الامر. (مز ٦٥:٢، ٥) وهو «قريب» من خدامه بمعنى مجازي، وبالتالي قادر على الاستجابة بسرعة. — مز ١٤٥:١٨، ١٩؛ يه ٢٤، ٢٥.
القوة ظاهرة في الخليقة: يرى البشر دليلا على وجود القوة في كل الخليقة المادية، سواء في الاجرام السماوية الهائلة العدد والحجم (قارن اي ٣٨:٣١-٣٣.) او في كل ما يوجد على الارض. حتى التربة يقال ان عندها قوة (تك ٤:١٢)، اذ تنتج طعاما يعطي القوة. (١ صم ٢٨:٢٢) وتُرى القوة في كل الكائنات الحية، من النباتات والحيوانات الى البشر. والكل يعرف اليوم عن القوة الهائلة الكامنة حتى في العناصر الذرية الدقيقة التي تتشكل منها كل مادة. لذا يدعو العلماء المادة احيانا طاقة منظمة.
تُظهر الاسفار المقدسة مرارا ان اللّٰه صنع السماء والارض بقوته و «طاقته». (اش ٤٠:٢٥، ٢٦؛ ار ١٠:١٢؛ ٣٢:١٧) حتى كلمة «اللّٰه» بالعبرانية (إيل) تحمل على الارجح معنى «قوي» او «قدير». (لاحظ كيف استُعملت الكلمة في تك ٣١:٢٩ ضمن عبارة «طاقة [إيل] يدي» [كم١٢] او «قدرة يدي» [عأ].)
عندما يلزم اظهار القوة بطرق خصوصية: عرف الانسان الاول ان يهوه اللّٰه هو خالقه وهو وحده معطي الحياة. وقد منح اللّٰه الانسان قوة فكرية وبدنية مكَّنته من التسلط على الارض. كما اوكل اليه عملا ليقوم به. (تك ١:٢٦-٢٨؛ ٢:١٥) وكان على الانسان ان يمارس سلطته بشكل ينسجم مع مشيئة خالقه. فكان يلزم ان تتماشى قدرته مع الصفات الاخرى التي منحه اياها اللّٰه، كالحكمة والعدل والمحبة.
لكنَّ التمرُّد في عدن شكَّل تحدِّيا لسيادة اللّٰه. صحيح ان القضية هي في الجوهر قضية اخلاقية، غير انها دفعت اللّٰه الى اظهار قوته بطرق خصوصية. (انظر «يهوه» [القضية العظمى هي قضية اخلاقية].) فهذا التمرُّد حصل بتحريض من ابن روحاني للّٰه. وبذلك صار هذا الابن مقاوما (بالعبرانية شاطان) للّٰه. لم يظل يهوه مكتوف اليدَين، بل اصدر حكمه على المتمرِّدين. وأظهر قوته الإلهية عندما طرد الزوجَين البشريَّين من عدن وأقام كائنات روحانية ولية عند مدخل الجنة. (تك ٣:٤، ٥، ١٩، ٢٢-٢٤) وهذا ما برهن ان كلام يهوه ليس فارغا او لا مفعول له، بل هو كلام نافذ ويتحقَّق بكل تأكيد. (قارن ار ٢٣:٢٩.) لقد اظهر سيد الكون انه مستعد ليدعم كلامه بالافعال، وأنه قادر ان ينفِّذ كلامه بكل ما عنده من سلطة.
بعدما حدَّد يهوه قصده، عمل ولا يزال يعمل باستمرار على تحقيقه. (تك ٣:١٥؛ اف ١:٨-١١) وفي وقته المعيَّن سيضع حدًّا لكل تمرُّد على الارض، وسيجعل المتمرِّد الروحاني الاول وكل المتحالفين معه يُسحقون كما يُسحق رأس الحية. (قارن رو ١٦:٢٠.) صحيح ان يهوه سمح ببقاء خصمه الروحاني لبعض الوقت وتركه يحاول اثبات صحة الشكوك التي اثارها، لكنه لم يتنازل ابدا عن مركزه السيادي. وبموجب السلطة الشرعية التي يملكها، هو يحكم على الناس بحسب اعمالهم، فيكافئ او يعاقب بحسب ما يراه مناسبا وفي الوقت الذي يريده. (خر ٣٤:٦، ٧؛ ار ٣٢:١٧-١٩) كما انه يستخدم قوته ليؤكد مصداقية ممثِّليه الذين عيَّنهم على الارض. وهو يُظهر قوته كي يثبت صحة الرسائل التي يعلنونها، وكأنه يضع ختمه عليها.
كل هذا ينبع من لطف اللّٰه. فيهوه يُظهر بذلك للناس مَن هو الإله الحقيقي الوحيد بين الآلهة المزعومة. كما يُظهر انه هو مَن يستحق مخافة مخلوقاته الذكية واحترامهم وثقتهم وتسبيحهم ومحبتهم. (مز ٣١:٢٤؛ ٨٦:١٦، ١٧؛ اش ٤١:١٠-١٣) وعلى مر القرون، اكَّد يهوه مرارا لخدامه ان قوته لم تضعف، وأن ‹يده لم تقصر› وأن ‹اذنه لم تثقل عن ان تسمع›. (عد ١١:٢٣؛ اش ٤٠:٢٨؛ ٥٠:٢؛ ٥٩:١) والاهم هو ان استعمال يهوه للقوة يساهم في ترفيعه وتمجيد اسمه. فاللّٰه لا يحطُّ من قدر نفسه ولا يشوِّه سمعته حين يفعل ذلك، بل يصنع لنفسه «اسما بهيا». — اي ٣٦:٢٢، ٢٣؛ ٣٧:٢٣، ٢٤؛ اش ٦٣:١٢-١٤.
قبل الطوفان العالمي وخلاله: كانت لدى البشر ادلة كثيرة على قدرة اللّٰه في فترة ما قبل الطوفان. فكانوا يعرفون ان طريق العودة الى عدن مقطوعة بسبب وجود مخلوقات روحانية قوية عند مدخلها. وأظهر اللّٰه انه يتابع فعلا ما يجري. فقد رضي بتقدمة هابيل وأعلن حكمه على اخيه القاتل قايين. كما حرص على تحذير الناس من قتل قايين. — تك ٣:٢٤؛ ٤:٢-١٥.
بعد نحو ٤٠٠,١ سنة، امتلأت الارض بالشر والعنف. (تك ٦:١-٥، ١١، ١٢) وأظهر اللّٰه انه ليس راضيا بهذا الوضع. وبعد ان حذَّر الناس بواسطة خادمه نوح، جلب طوفانا عالميا اعطى من خلاله برهانا قويا انه لن يدَع الاشرار يفسدون الارض. ولم يستعمل اللّٰه قوته ليجبر الناس على عبادته، بل منحهم الفرصة ليتغيَّروا من خلال مناداة نوح بالطريق الصحيح. وفي الوقت نفسه اظهر انه قادر على اخراج المستقيمين من اية اوضاع شريرة تحيط بهم. (٢ بط ٢:٤، ٥، ٩) ومثلما نفَّذ اللّٰه حكمه على الاشرار بشكل مفاجئ ولم يتأخر في اهلاكهم، بل محاهم عن وجه الارض في فترة ٤٠ يوما، كذلك سيفعل في المستقبل. — ٢ بط ٢:٣؛ تك ٧:١٧-٢٣؛ مت ٢٤:٣٧-٣٩.
انتصار اللّٰه على الآلهة المزيفة بعد الطوفان: تُظهر الاسفار المقدسة والسجلات الدنيوية القديمة ان البشر حادوا عن عبادة الإله الحقيقي في فترة ما بعد الطوفان. وهناك ادلة قوية تثبت ان نمرود، الذي «شهر نفسه صيادا جبارا مقاوما ليهوه»، لعب دورا اساسيا في ذلك. كما تُظهر الادلة ان بابل كانت المركز الرئيسي لنشوء العبادة المزيفة. (تك ١٠:٨-١٢؛ ١١:١-٤، ٩؛ انظر «الآلهة والإلاهات»؛ «بابِل».) لم يحصل البنَّاؤون على اذن من اللّٰه ليبنوا برجا في بابل، لكنهم فعلوا ذلك ليُظهروا قوتهم. لقد ارادوا ان يُظهِروا ما يمكنهم فعله باستقلال عن اللّٰه، وأن يجلبوا الشهرة والمجد لأنفسهم لا للّٰه. وعرف اللّٰه ان هذه ليست سوى البداية. فهذا المشروع سيؤدي الى مشاريع طموحة اخرى يتباهى فيها البشر بقوتهم ويبتعدون عن الإله الحقيقي اكثر فأكثر، تحدِّيا له ولقصده للبشر وكوكب الارض. فتدخَّل من جديد وعرقل المشروع حين جعلهم يتكلمون لغات مختلفة. وهكذا تفرَّقت الشعوب في كل الارض. — تك ١١:٥-٩.
الفرق بين الإله الحقيقي و «آلهة الطبيعة»: تؤكِّد السجلات القديمة في بابل والاماكن الاخرى التي هاجر اليها الناس ان عبادة «آلهة الطبيعة» (مثل إله الشمس البابلي شمش وإله الخصب الكنعاني بعل) صارت شائعة جدا في تلك الازمنة القديمة. وقد ارتبطت «آلهة الطبيعة» في اذهان الناس بقوى الطبيعة التي تظهر بشكل دوري ومتكرِّر، مثل اشراق الشمس كل يوم، تغيُّر الفصول الى صيف وشتاء (بفعل الانقلابَين الصيفي والشتوي) وإلى ربيع وخريف (بفعل الاعتدالَين الربيعي والخريفي)، هبوب الرياح والعواصف، هطول المطر وتأثيره على خصوبة الارض في وقت الزرع والحصاد، وما الى ذلك من دلائل على قوة الطبيعة. لكنَّ هذه القوى مجرَّدة من اية شخصية. لذلك ملأ البشر هذا الفراغ بإلباس تلك القوى شخصيات من مخيِّلتهم وجعلوا منها آلهة. وبالإجمال، كانت الشخصيات التي اخترعوها لآلهتهم متقلِّبة المزاج، بلا اهداف محدَّدة، منحطَّة اخلاقيا، ولا تستاهل ان تُخدم وتُعبد.
لكنَّ السموات المنظورة والارض تعطي ادلة واضحة على وجود مصدر اعظم للقوة انتج كل قوى الطبيعة هذه. وتلك القوى تعمل بطريقة متناسقة ومترابطة لا تترك اي مجال للشك في وجود قصد ذكي منها. ولهذا المصدر يعلو الهتاف: «انت مستحق، يا يهوه إلهنا، ان تنال المجد والكرامة والقدرة، لأنك خلقت كل الاشياء، وهي بمشيئتك وُجدت وخُلقت». (رؤ ٤:١١) فيهوه ليس إلها تتحكم به او تقيِّده دورات طبيعية سماوية او ارضية. ولا يقال عنه عندما يُظهر قواه انه متقلِّب المزاج وإن تصرفاته عشوائية. ففي كل حالة، تكشف قواه شيئا عن شخصيته ومقاييسه وقصده. وفي الحديث عن الصورة التي ترسمها الاسفار العبرانية عن اللّٰه، يقول القاموس اللاهوتي للعهد الجديد، تحرير غ. كيتل: «الميزة المهمة والغالبة عنده ليست قوته او قدرته، بل مشيئته التي تساهم هذه القوة في تنفيذها. ونحن نرى هذه الميزة في كل مكان» من تلك الاسفار. — ترجمة وتحرير ج. بروميلي، ١٩٧١، مجلد ٢، ص ٢٩١.
كانت عبادة الاسرائيليين لـ «آلهة الطبيعة» ارتدادا، وطمْسا للحق بهدف الترويج لكذبة، وتصرُّفا احمق تُعبد فيه الخليقة لا الذي خلقها. وهذا ما ذكره الرسول بولس في روما ١:١٨-٢٥. فمع ان يهوه اللّٰه غير منظور، فقد جعل صفاته ظاهرة بين الناس. فبولس يقول ان صفات اللّٰه، «اي قدرته السرمدية وألوهته، تُرى بوضوح منذ خلق العالم، لأنها تُدرَك بالمصنوعات، حتى انهم بلا عذر».
اللّٰه يسيطر على قوى الطبيعة بطريقة مميزة: يُتوقَّع منطقيا من يهوه ان يُظهر سيطرته على قوى الطبيعة التي خلقها ليبرهن انه فعلا الإله الحقيقي، وأن يفعل ذلك بطريقة تتوافق مع اسمه. (مز ١٣٥:٥، ٦) وبما ان الشمس والقمر والكواكب والنجوم تسير في مسارها الطبيعي، وبما ان الاحوال الجوية على الارض (التي تولد الريح والمطر والظواهر الاخرى) تسير وفق القوانين التي تضبطها، وبما انه من عادة الجراد ان يزحف ومن عادة الطيور ان تهاجر، فلا تكفي هذه العوامل والكثير من العوامل الطبيعية الاخرى لتقديس اسم اللّٰه حين يتعرض للمقاومة ويُواجَه بالعبادة المزيفة.
غير ان يهوه اللّٰه قادر ان يجعل الخليقة والعوامل الطبيعية تشهد على ألوهته. وهو يفعل ذلك حين يستعملها خارج اطار دورها المعهود، وغالبا في اوقات محدَّدة سلفا، ليتمم مقاصد محدَّدة. وحتى عندما تكون هذه الاحداث عادية، مثل الجفاف والعواصف الممطرة وما شابههما، فما يجعلها مميزة هو حدوثها اتماما لنبوة يهوه. (قارن ١ مل ١٧:١؛ ١٨:١، ٢، ٤١-٤٥.) غير انه في معظم الحالات كانت هذه الاحداث بحد ذاتها غير عادية. فإما كانت هائلة وقوية جدا (خر ٩:٢٤) وإما حصلت بشكل خارج عن المألوف او بشكل لم يسبق له مثيل او في غير وقتها بتاتا. — خر ٣٤:١٠؛ ١ صم ١٢:١٦-١٨.
بشكل مشابه، تُعتبر ولادة طفل امرا عاديا. لكنَّ ولادة طفل من امرأة ظلت طيلة حياتها عاقرا لا تنجب، وتجاوزت عمر الانجاب (كما هي الحال مع سارة)، هي امر غير عادي. (تك ١٨:١٠، ١١؛ ٢١:١، ٢) وقد كان ذلك دليلا على تدخُّل إلهي. كذلك الامر بالنسبة للموت. فهو شائع. ولكن حين يموت شخص في وقت منبإ به مسبقا او بطريقة معلَنة مسبقا، ولا يكون هناك سبب آخر لموته، فهذا امر غير عادي ويدل على تدخُّل إلهي. (١ صم ٢:٣٤؛ ٢ مل ٧:١، ٢، ٢٠؛ ار ٢٨:١٦، ١٧) كل هذه الامور برهنت ان يهوه هو الإله الحقيقي، وأن «آلهة الطبيعة» ليست سوى «آلهة عديمة النفع». — مز ٩٦:٥.
يهوه يُظهِر انه إله ابراهيم: عرف ابراهيم، وابنه اسحاق وحفيده يعقوب اللذان اختارهما اللّٰه، ان يهوه هو «الإله القادر على كل شيء». (خر ٦:٣). وقد كان ‹ترسا› لهم، اذ حماهم هم وعائلاتهم من اصحاب القوة والنفوذ في الارض. (تك ١٢:١٤-٢٠؛ ١٤:١٣-٢٠؛ ١٥:١؛ ٢٠:١-١٨؛ ٢٦:٢٦-٢٩؛ مز ١٠٥:٧-١٥) وقد اثبتت ولادة اسحاق من ابوَين متقدمَين في السن انه لا شيء ‹يستحيل على يهوه›. (تك ١٨:١٤؛ ٢١:١-٣) وقد انعم اللّٰه بالازدهار على خدامه، وساعدهم في وقت المجاعة. (تك ١٢:١٠؛ ١٣:١، ٢؛ ٢٦:١-٦، ١٢، ١٦؛ ٣١:٤-١٣) وعندما نفَّذ يهوه، «ديَّان كل الارض»، حكمه على مدينتَي سدوم وعمورة المشهورتَين بفسادهما، حفظ حياة لوط الامين وابنتَيه من اجل صديقه ابراهيم. (تك ١٨:٢٥؛ ١٩:٢٧-٢٩؛ يع ٢:٢٣) لا عجب ان يمتلك هؤلاء الرجال الايمان بأن اللّٰه حي وبأنه ايضا إله قوي «يكافئ الذين يجدُّون في طلبه». (عب ١١:٦) وهكذا عندما طلب اللّٰه من ابراهيم ان يقدِّم ابنه الحبيب ذبيحة، كانت ثقة ابراهيم بقدرة اللّٰه على اقامة اسحاق من الموت مبرَّرة تماما. — عب ١١:١٧-١٩؛ تك ١٧:٧، ٨.
اظهر انه إله اسرائيل: وعد يهوه امة اسرائيل في مصر: «اكون لكم إلها، فتعرفون اني انا يهوه إلهكم». (خر ٦:٦، ٧) لقد اتَّكل فرعون على قوة آلهة وإلاهات مصر، وتوقَّع منها ان تقف في وجه اعمال يهوه. فتعمَّد اللّٰه ان يسمح لفرعون بأن يستمر في تحدِّيه لبعض الوقت. وقد ترك يهوه المسألة تطول لكي ‹يرى فرعون قدرته ولكي يُعلَن اسمه في كل الارض›. (خر ٩:١٣-١٦؛ ٧:٣-٥) وهذا ما فسح المجال لتكثر ‹آيات اللّٰه وعجائبه› في مصر (مز ١٠٥:٢٧)، وليجلب الضربات العشر التي اثبتت ان الخالق يتحكم في الماء وضوء الشمس والحشرات والحيوانات وجسم الانسان. — خر ٧-١٢.
بذلك اظهر يهوه انه يتميز عن «آلهة الطبيعة». فهذه الضربات، التي شملت ظلاما وعاصفة وبرَدا وجرادا، انبأ بها اللّٰه مسبقا وحدثت بالشكل الذي انبأ به تماما. فهي لم تكن مصادفات او احداثا عرضية. وقد حذَّر منها مسبقا، وهذا ما اتاح لمن صدَّقوا التحذيرات ان يتفادوا بعض الضربات. (خر ٩:١٨-٢١؛ ١٢:١-١٣) كذلك كان اللّٰه قادرا ان يختار مكان وقوع الضربات، فقد استثنى منطقة محددة من بعضها. وهكذا اظهر مَن هم خدامه الذين يرضى عنهم. (خر ٨:٢٢، ٢٣؛ ٩:٣-٧، ٢٦) وكان يقدر ان يبدأ الضربة ويوقفها ساعة يشاء. (خر ٨:٨-١١؛ ٩:٢٩) ومع ان كهنة فرعون الذين يتعاطون السحر تمكَّنوا كما يبدو من فعل ما فعله موسى في الضربتَين الاولى والثانية (وربما حاولوا نسبها الى آلهتهم المصرية)، فسرعان ما تبيَّن فشل فنونهم السرية. حتى انهم اضطروا للاعتراف بدور «اصبع اللّٰه» في انزال الضربة الثالثة. (خر ٧:٢٢؛ ٨:٦، ٧، ١٦-١٩) ولم يتمكَّنوا من ابطال الضربات، بل أُصيبوا هم بها. — خر ٩:١١.
اكَّد يهوه انه ‹إله اسرائيل› وأنه ‹قريب منهم› حين استرجعهم «بذراع ممدودة وبأحكام عظيمة». (خر ٦:٦، ٧؛ تث ٤:٧) وبعد هلاك جيش فرعون في البحر الاحمر، صار شعب اسرائيل ‹يخاف يهوه ويؤمن به وبخادمه موسى›. — خر ١٤:٣١.
تأسيس عهد الشريعة: قبل تأسيس عهد الشريعة مع اسرائيل، صنع يهوه عجائب وفَّرت الماء والطعام للملايين في منطقة سيناء الصحراوية. كما جعلهم ينتصرون على الذين هاجموهم. (خر ١٥:٢٢-٢٥؛ ١٦:١١-١٥؛ ١٧:٥-١٦) وعند جبل سيناء المحدَّد مسبقا، اظهر يهوه بطريقة مهيبة سيطرته على قوى الطبيعة التي خلقها. (خر ١٩:١٦-١٩؛ قارن عب ١٢:١٨-٢١.) فكان واضحا للامة ان الشريعة هي من مصدر إلهي، ولذا وافقوا على شروطها باحترام شديد. (تث ٤:٣٢-٣٦، ٣٩) والطريقة اللافتة التي استخدم بها يهوه موسى جعلت الشعب يقتنع ايضا بأن الاسفار الخمسة الاولى التي كتبها موسى هي من وحي إلهي. (قارن تث ٣٤:١٠-١٢؛ يش ١:٧، ٨.) وعندما شكك البعض في سلطة هارون ككاهن، اكَّد يهوه على اختياره له بشكل واضح للعيان. — عد ١٦، ١٧.
الاستيلاء على كنعان: كان استيلاء الاسرائيليين على الامم الكنعانية السبع ‹الاكثر والاقوى› منهم (تث ٧:١، ٢) شهادة اضافية على ألوهية يهوه. (يش ٢٣:٣، ٨-١١) وقد مهَّدت شهرته الطريق امام الاسرائيليين. (خر ٩:١٦؛ ار ٣٢:٢٠، ٢١) فالاعداء شعروا ‹بالرعب والخوف› وضعفت معنوياتهم بسبب الاسرائيليين لأنهم كانوا شعب يهوه. (تث ١١:٢٥؛ خر ١٥:١٤-١٧) لهذا السبب كان خطأ الاعداء اكبر. فقد كان لديهم الدليل على ان هؤلاء هم شعب الإله الحقيقي وأن محاربتهم تعني محاربة اللّٰه. وهذا ما دفع بعض الكنعانيين الى اظهار الحكمة بالاعتراف ان يهوه اعظم من اصنامهم، كما فعل آخرون قبلا، وسعوا الى نيل رضاه. — يش ٢:١، ٩-١٣.
الشمس والقمر يقفان في مكانهما: كان الجبعونيون كنعانيين آمنوا بيهوه، وبسبب ذلك حاصرتهم امم معادية لإسرائيل. وعندما هاجم الاسرائيليون الجيوش المحاصِرة، اطال يهوه هذا الهجوم حين جعل الشمس والقمر يبقيان في مكانهما بحسب ما رآه الذين في ساحة المعركة. وهكذا أخَّر غروبَ الشمس مدة يوم تقريبا. (يش ١٠:١-١٤) وفي حين ان ذلك قد يعني انه اوقف دوران الكرة الارضية، من الممكن انه فعل ذلك بطريقة اخرى تُحدث نفس التأثير، مثلا ربما احدث انكسارا لضوء الشمس والقمر. وبصرف النظر عن الوسيلة التي استخدمها، فقد اثبتت من جديد ان ‹يهوه يصنع كل ما يشاء في السموات والارض، في البحار وفي كل اللجج›. (مز ١٣٥:٦) وكما كتب الرسول بولس لاحقا: «كل بيت يبنيه احد، ولكن باني كل شيء هو اللّٰه». (عب ٣:٤) فكما يفعل الانسان الذي يبني بيتا، كذلك يفعل يهوه ما يريد بما يبنيه، ويستخدمه كما يراه مناسبا. — قارن ٢ مل ٢٠:٨-١١.
تبعت ذلك فترة حكم القضاة التي دامت اربع مئة سنة. وفيها كان يهوه يدعم الاسرائيليين حين يظهرون الولاء له، ويسحب دعمه حين يعبدون آلهة اخرى. — قض ٦:١١-٢٢، ٣٦-٤٠؛ ٤:١٤-١٦؛ ٥:٣١؛ ١٤:٣، ٤، ٦، ١٩؛ ١٥:١٤؛ ١٦:١٥-٢١، ٢٣-٣٠.
تحت حكم ملوك اسرائيل: خلال حكم ملوك اسرائيل الذي دام ٥١٠ سنين، عملت «ذراع» يهوه القوية و «يده» التي تزود الحماية اكثر من مرة على منع المهاجِمين من التقدُّم، وتسبَّبت ببلبلة بين جنودهم، وأرجعتهم مهزومين الى بلادهم. ولم تكن تلك الامم تعبد «آلهة الطبيعة» فقط، بل عبدت ايضا آلهة (وإلاهات) الحرب. وفي بعض الحالات، اعتبروا حاكم البلد إلها. وبما ان الاعداء اصرُّوا على محاربة شعب اللّٰه، فقد اظهر يهوه من جديد انه «رجل بأس في الحرب» و ‹ملك مجيد جبار في القتال›. (خر ١٥:٣؛ مز ٢٤:٧-١٠؛ اش ٥٩:١٧-١٩) فقد تَواجه معهم في كل مواقع القتال مهما اختلفت تضاريس الارض فيها، واعتمد استراتيجيات حربية فاقت خطط قادتهم المتفاخرين، ولم يصمد امامه محاربو امم كثيرة ولا معداتهم الحربية. (٢ صم ٥:٢٢-٢٥؛ ١٠:١٨؛ ١ مل ٢٠:٢٣-٣٠؛ ٢ اخ ١٤:٩-١٢) وجعل شعبه يعرفون خطط اعدائهم القتالية السرية بدقة بالغة كما لو ان اجهزة تنصُّت إلكترونية كانت مزروعة في قصورهم. (٢ مل ٦:٨-١٢) وفي بعض الاحيان قوَّى شعبه ليقوموا هم بالقتال، وفي احيان اخرى حقَّق الانتصارات دون ان يضربوا ضربة واحدة. (٢ مل ٧:٦، ٧؛ ٢ اخ ٢٠:١٥، ١٧، ٢٢، ٢٤، ٢٩) وفي كل هذه المرات، جلب يهوه العار على آلهة الحرب عند الامم اذ فضح فشلها وخداعها لعابديها. — اش ٤١:٢١-٢٤؛ ار ١٠:١٠-١٥؛ ٤٣:١٠-١٣.
خلال الاسر والرد من الاسر: سمح يهوه بأن يؤخذ شعبه الى الاسر حين اجتاحت اشور المملكة الشمالية وخرَّبت بابل مملكة يهوذا. لكنه حافظ على سلالة داود التزاما بالعهد الذي قطعه معه بأن تبقى مملكته الى الابد. (مز ٨٩:٣، ٤، ٣٥-٣٧) وخلال فترة الاسر، حافظ ايضا على ايمان شعبه. فقد فعل امورا مدهشة من خلال دانيال وغيره، وصنع عجائب جعلت حكام العالم يتواضعون ويعترفون بقوة اللّٰه. (دا ٣:١٩-٢٩؛ ٤:٣٤-٣٧؛ ٦:١٦-٢٣) وبسقوط بابل الجبارة، اظهر يهوه من جديد انه وحده الإله الحقيقي. فقد جلب العار على الآلهة الوثنية حين فضحها على انها مزيفة. وقد كان شعبه شاهدا على ذلك. (اش ٤١:٢١-٢٩؛ ٤٣:١٠-١٥؛ ٤٦:١، ٢، ٥-٧) كما حرَّك ملوك فارس ليعملوا ما هو في مصلحة امة اسرائيل. فمن خلالهم اطلق شعبه وأرجعهم الى ارضهم. وهكذا اعادوا بناء الهيكل وبعد ذلك مدينة اورشليم. (عز ١:١-٤؛ ٧:٦، ٢٧، ٢٨؛ نح ١:١١؛ ٢:١-٨) وكان من الطبيعي ان يخجل عزرا من ان يطلب من الملك الفارسي حماية عسكرية للمجموعة التي ترافقه، مع ان قيمة الحمولة التي اخذوها معهم زادت بدون شك على ٤٣ مليون دولار. لكنَّ يهوه استجاب صلاتهم وحماهم خلال عودتهم الى اورشليم. — عز ٨:٢١-٢٧.
لا شك ان قدرة اللّٰه بقيت تعمل في الفترة الفاصلة بين انتهاء كتابة الاسفار العبرانية من الكتاب المقدس وولادة ابن اللّٰه على الارض. فكان يلزم ان تُحفظ امة اسرائيل، وعاصمتها اورشليم، وقرية بيت لحم القريبة منها، والهيكل مع عمل الكهنة فيه، وغيرها من عناصر النظام اليهودي. فكان لا بد ان تبقى هذه كلها موجودة لكي تتم النبوات في المسيح يسوع وفي عمله. يذكر التاريخ انه بُذلت محاولات لتغيير النظام اليهودي بالكامل، وذلك عن طريق فرض العبادة اليونانية فيه. لكنَّ هذه المحاولات فشلت. — انظر «اليونان، اليونانيون» (تأثير الهلينستية في اليهود).
‹المسيح قدرة اللّٰه›: اظهر اللّٰه مدى قدرته بشكل لم يسبق له مثيل مع يسوع ومن خلاله، وذلك من وقت ولادته العجائبية فصاعدا. فمثل كاتب المزمور، صار يسوع «اعجوبة لكثيرين». (مز ٧١:٧) وكان يسوع وتلاميذه، مثلهم مثل اشعيا وابنَيه، «آيات وعجائب في اسرائيل من عند يهوه الجنود». فهم تنبأوا بالمستقبل وكشفوا قصد اللّٰه. (اش ٨:١٨؛ عب ٢:١٣؛ قارن لو ٢:١٠-١٤.) وفي يسوع تمت الاعمال العظيمة التي عملها اللّٰه طوال آلاف السنين، فقد تحقَّق هدفها فيه. لذا يقول الرسول بولس عن يسوع انه «قدرة اللّٰه وحكمة اللّٰه». —١ كو ١:٢٤.
كان يسوع هو المسيا المنتظر، المعيَّن من يهوه، والذي أُنبئ بأنه ستَظهر فيه ‹روح القدرة›. (اش ١١:١-٥) لذا كان من المتوقَّع ان تحدث امور عظيمة تشهد على ذلك. (مي ٥:٢-٥؛ قارن يو ٧:٣١.) بدأ اللّٰه يشهد لابنه عندما وُلد من شابة يهودية عذراء. (لو ١:٣٥-٣٧) وليست هذه الولادة دليلا على القدرة الباهرة عند اللّٰه فحسب، بل كانت لديها ايضا اهداف محدَّدة جدا. فمن خلال هذه الولادة اتى انسان كامل هو ‹آدم ثانٍ›، انسان قادر ان يقدِّس اسم اللّٰه ابيه ويمحو التعيير الذي جلبه الابن البشري الاول على ذلك الاسم. وهكذا يفضح كذب تحدِّي الشيطان. كما كان يسوع الكامل سيوفِّر الاساس القانوني لفداء البشر الطائعين وتحريرهم من قبضة الخطية والموت اللذَين يملكان عليهم. (١ كو ١٥:٤٥-٤٧؛ عب ٢:١٤، ١٥؛ رو ٥:١٨-٢١؛ انظر «الفدية».) وبما انه كامل ومتحدر من داود، فسيكون الوارث لمملكة ابدية. — لو ١:٣١-٣٣.
تَرافق تعيين يسوع بروح اللّٰه مع نيله قدرة إلهية. (اع ١٠:٣٨) وفي حين ان موسى كان «مقتدرا في كلامه وأعماله»، كان يسوع نبيا اهم من موسى، وبالتالي كان الدليل على دعم اللّٰه له اكبر بكثير. (تث ٣٤:١٠-١٢؛ اع ٧:٢٢؛ لو ٢٤:١٩؛ يو ٦:١٤) لذا كان ‹يعلِّم بسلطة›. (مت ٧:٢٨، ٢٩) ومثلما اعطى اللّٰه الناس الدليل ليؤمنوا بموسى ويشوع وغيرهما، اعطى ايضا الدليل المقنع ليؤمنوا بابنه. (مت ١١:٢-٦؛ يو ٦:٢٩) ولم ينسب يسوع الفضل الى نفسه، بل اعترف دائما ان اللّٰه هو مصدر اعماله العظيمة. (يو ٥:١٩، ٢٦؛ ٧:٢٨، ٢٩؛ ٩:٣، ٤؛ ١٤:١٠) وقد ميَّز الاشخاص الصادقون «عظمة قدرة اللّٰه» التي ظهرت من خلاله. — لو ٩:٤٣؛ ١٩:٣٧؛ يو ٣:٢؛ ٩:٢٨-٣٣؛ قارن لو ١:٦٨؛ ٧:١٦.
علامَ دلت عجائب يسوع؟
ان ما فعله يسوع اكَّد ان اللّٰه يهتم بالبشر، وكشف ما سيفعله اللّٰه اخيرا لأجل كل الذين يحبون الاستقامة. فقد كانت اعمال يسوع العظيمة بالاجمال ترتبط بمشاكل البشر، وأبرزها مشكلة الخطية وكل تأثيراتها المؤذية. فحيثما توجد خطية يوجد مرض وموت. غير ان قدرة يسوع على شفاء كل انواع الامراض (مت ٨:١٤، ١٥؛ لو ٦:١٩؛ ١٧:١١-١٤؛ ٨:٤٣-٤٨) وحتى على اقامة الموتى (مت ٩:٢٣-٢٥؛ لو ٧:١٤، ١٥؛ يو ١١:٣٩-٤٤)، اكَّدت انه هو المعيَّن من اللّٰه لتحرير البشر من الخطية ومن تأثيراتها على الناس. (قارن مر ٢:٥-١٢.) وقد كان يسوع اسمى بكثير من المن الذي اكله الاسرائيليون في البرية، لأنه «الخبز الحق من السماء» و «خبز الحياة». (يو ٦:٣١-٣٥، ٤٨-٥١) وهو لم يعطِ ماء حرفيا من صخرة، بل ‹ماء حيا› او «ماء الحياة». — يو ٧:٣٧، ٣٨؛ رؤ ٢٢:١٧؛ قارن يو ٤:١٣، ١٤.
كما دلت اعماله العظيمة على ان بركات اخرى ستحل على البشر خلال مُلكه. ففي حين اطعم أليشع ١٠٠ رجل بعشرين رغيفا وبعض الحبوب، اطعم يسوع الآلاف بكمية اقل بكثير. (٢ مل ٤:٤٢-٤٤؛ مت ١٤:١٩-٢١؛ ١٥:٣٢-٣٨) كما ان موسى وأليشع حوَّلا ماء مُرًّا وماء سامًّا الى ماء عذب. غير ان يسوع حوَّل ماء عاديا الى نبيذ فاخر لمتعة الناس في وليمة عرس. (خر ١٥:٢٢-٢٥؛ ٢ مل ٢:٢١، ٢٢؛ يو ٢:١-١١) لذا لا يوجد شك في ان كل رعاياه لن يعرفوا الجوع خلال حكمه، بل سيقيم وليمة شهية «لجميع الشعوب». (اش ٢٥:٦) ويسوع عنده القدرة ان يزيد نتاج عمل الانسان بوفرة، مثلما فعل حين كان تلاميذه يصطادون السمك. ولذلك لن يضطر البشر في ظل حكم مملكته ان يشْقوا ويتعبوا وهم بالكاد يجنون لقمة العيش. — لو ٥:٤-٩؛ قارن يو ٢١:٣-٧.
والاهم هو ان كل ما فعله ارتبط بأمور روحية. فقد اعاد يسوع البصر والنطق الروحيَّين والصحة الروحية للعميان والخُرس والمرضى روحيا. كما حرص ان يكون الطعام والشراب الروحيان متوفرَين بكثرة، وأكَّد ان خدمة تلاميذه ستكون مثمرة. (قارن لو ٥:١٠، ١١؛ يو ٦:٣٥، ٣٦.) وكان اشباعه لحاجات الناس الجسدية في بعض الاحيان يهدف الى تقوية ايمانهم. فهو لم يُطعم الناس لمجرد اشباع جوعهم. (قارن يو ٦:٢٥-٢٧.) لقد كان عليهم ان يضعوا مملكة اللّٰه ووصاياه، لا الطعام والشراب، اولا في حياتهم. (مت ٦:٣١-٣٣) ورسم يسوع المثال في ذلك حين رفض تحويل الحجارة الى خبز لفائدته هو. — مت ٤:١-٣.
التحرُّر الروحي: كان عند امة اسرائيل محاربون جبابرة يقاتلون بشرا. اما قدرة اللّٰه من خلال ابنه فكانت تستهدف اعداء اقوى بكثير. لقد كان يسوع المحرِّر (لو ١:٦٩-٧٤) الذي فتح المجال للتحرُّر من المصدر الاول للظلم: الشيطان وأبالسته. (عب ٢:١٤، ١٥) ويسوع لم يكتفِ بالتدخُّل شخصيا لتحرير كثيرين من قبضة الابالسة (لو ٤:٣٣-٣٦)، بل تفوَّه ايضا بكلمات الحق القوية المحرِّرة. وهذه الكلمات شرَّعت ابواب الحرية امام الذين يريدون التخلص من الاعباء الثقيلة والعبودية التي تفرضها عليهم الاديان المزيفة. (مت ٢٣:٤؛ لو ٤:١٨؛ يو ٨:٣١، ٣٢) وبمحافظته على امانته واستقامته، لم يغلب مدينة او امبراطورية، بل غلب «العالم». — يو ١٤:٣٠؛ ١٦:٣٣.
اهمية العجائب: مع ان تركيز يسوع الاساسي كان على الحقائق التي نادى بها، اظهر ان الاعمال العظيمة التي قام بها لها اهميتها هي ايضا. فقد قال مرارا انها تثبت ان مهمته ورسالته هما من اللّٰه. وما يجعلها مهمة بشكل خاص هو انها تتمم النبوات. (يو ٥:٣٦-٣٩، ٤٦، ٤٧؛ ١٠:٢٤-٢٧، ٣١-٣٨؛ ١٤:١١؛ ٢٠:٢٧-٢٩) ان مَن رأوا هذه الاعمال وقعت عليهم مسؤولية خصوصية. (مت ١١:٢٠-٢٤؛ يو ١٥:٢٤) فقد قال بطرس لاحقا للجمع في يوم الخمسين ان يسوع هو «رجل اظهره اللّٰه علانية بقوات وعلامات عجيبة وآيات صنعها اللّٰه على يده في وسطكم، كما انتم تعلمون». (اع ٢:٢٢) وهذه الادلة على قدرة اللّٰه اظهرت ان مملكة اللّٰه قد اتت اليهم وهم لم ينتبهوا. — مت ١٢:٢٨، ٣١، ٣٢.
هذه الطريقة اللافتة التي استخدم بها اللّٰه ابنه ساهمت في «كشف افكار قلوب كثيرة». (لو ٢:٣٤، ٣٥) فهؤلاء كُشفت لهم «ذراع يهوه». لكنَّ كثيرين، لا بل الاغلبية، فضَّلوا اعطاء تفسير مختلف للعجائب التي يرونها، او رفضوا القيام بما تحمِّلهم ‹الآية› مسؤولية فعله ارضاءً لمصالحهم الانانية. (يو ١٢:٣٧-٤٣؛ ١١:٤٥-٤٨) وأراد كثيرون الاستفادة شخصيا من قدرة اللّٰه فيما هم لا يملكون عطشا حقيقيا الى الحق والعدل. وقد خلت قلوبهم من الشفقة واللطف اللذَين دفعا يسوع الى القيام بالكثير من اعماله العظيمة. (قارن لو ١:٧٨؛ مت ٩:٣٥، ٣٦؛ ١٥:٣٢-٣٧؛ ٢٠:٣٤؛ مر ١:٤٠، ٤١؛ لو ٧:١١-١٥ بـ لو ١٤:١-٦؛ مر ٣:١-٦.) وهذه الشفقة عند يسوع ليست إلا انعكاسا للشفقة عند ابيه. — مر ٥:١٨، ١٩.
استخدام القوة بمسؤولية: لطالما تحلى يسوع بالمسؤولية وهو يستخدم قواه، ولم يقصد بها التباهي بتاتا. حتى لعْن شجرة التين غير المثمرة كان يحمل بشكل واضح معنى رمزيا. (مر ١١:١٢-١٤؛ قارن مت ٧:١٩، ٢٠؛ ٢١:٤٢، ٤٣؛ لو ١٣:٦-٩.) كما ان يسوع رفض القيام باستعراض فارغ اقترحه عليه الشيطان. فهو لم يقفز من اعلى نقطة في الهيكل في ما يبدو محاولة انتحار. وهذا يختلف كثيرا عن المشي على الماء. فيسوع لم يفعل ذلك للتباهي، بل لأنه لا توجد وسيلة تنقله الى وجهته في تلك الساعة المتأخرة. (مت ٤:٥-٧؛ مر ٦:٤٥-٥٠) ولم يُرضِ يسوع الفضول الخاطئ عند هيرودس حين رفض القيام بأية عجيبة لأجله. (لو ٢٣:٨) وكان يسوع قد رفض طلب الفريسيين والصدوقيين ان يعطي «آية من السماء». فمن الواضح انهم لم يطلبوا الآية ليتقوى ايمانهم بإتمام كلمة اللّٰه، بل لكيلا يضطروا لتنمية هذا الايمان. لقد كان دافعهم شريرا. — مت ١٦:١-٤؛ قارن ١٥:١-٦؛ ٢٢:٢٣، ٢٩.
كذلك، عدم ايمان سكان الناصرة منع يسوع من صنع الكثير من الاعمال العظيمة هناك. طبعا، لم يكن السبب وجود شحٍّ في منبع قوته، بل لأن الظروف لم تكن مناسبة ليصنع عجائب كثيرة. فلا يجب ان تُهدر القدرة الإلهية على المشككين غير المتجاوبين. (مر ٦:١-٦؛ قارن مت ١٠:١٤؛ لو ١٦:٢٩-٣١.) إلا ان وجود الايمان عند الآخرين لم يكن شرطا اساسيا عند يسوع ليصنع عجائب. مثلا، عندما قُطعت اذن عبد رئيس الكهنة شفاها يسوع، رغم ان هذا العبد كان بين الجمع الذي اتى لاعتقاله. — لو ٢٢:٥٠، ٥١.
كانت اقامة يسوع المسيح من الموت الى حياة روحية اكبر دليل على قدرة اللّٰه. ولولا قيامته لكان الايمان المسيحي «عبثا»، ولكان اتباعه «اكثر الناس اجمعين اثارة للشفقة». (١ كو ١٥:١٢-١٩) لم يتوقف تلاميذ يسوع عن التحدث عن هذه العجيبة، ولا شيء كان يقوي ايمانهم اكثر منها. عندما كان يسوع على الارض، استطاع ان يصنع عجائب من بعيد. (مت ٨:٥-١٣؛ يو ٤:٤٦-٥٣) وعندما صار في السماء، عيَّن اتباعه بواسطة روح اللّٰه يوم الخمسين، ومكَّنهم من صنع اعمال عظيمة في غيابه. وهكذا اكَّد على صحة شهادتهم بأنه قام من الموت. (اع ٤:٣٣؛ عب ٢:٣، ٤) كما اعطى الدليل على ان هؤلاء هم شعب اللّٰه او جماعته وينعمون برضاه عليهم. — اع ٢:١-٤، ١٤-٣٦، ٤٣؛ ٣:١١-١٨.
لم تقصر يد يهوه عندما مات ابنه كإنسان. وهذا ما تشهد عليه العجائب والآيات والعلامات الكثيرة التي صنعها الرسل وغيرهم. (اع ٤:٢٩، ٣٠؛ ٦:٨؛ ١٤:٣؛ ١٩:١١، ١٢) وكانت اعمالهم العظيمة شبيهة بأعمال سيدهم، مثل شفاء المقعَدين (اع ٣:١-٩؛ ١٤:٨-١٠) والمرضى (اع ٥:١٢-١٦؛ ٢٨:٧-٩)، وإقامة الموتى (اع ٩:٣٦-٤١؛ ٢٠:٩-١١)، وطرد الشياطين. (اع ٨:٦، ٧؛ ١٦:١٦-١٨) وقد فعلوا كل هذا دون ان يطمعوا بالربح او يسعوا لجلب الاكرام لأنفسهم. (اع ٣:١٢؛ ٨:٩-٢٤؛ ١٣:١٥-١٧) ومن خلالهم اصدر اللّٰه احكامه على المذنبين، مثلما فعل من خلال الانبياء الاولين. وبهذه الطريقة اكَّد على ضرورة احترامه واحترام ممثِّليه. (اع ٥:١-١١؛ ١٣:٨-١٢) كما منحهم اللّٰه قدرات جديدة، كالتكلم بلغات اجنبية وترجمتها. وهذا ايضا كان «لمنفعة مقصودة»، لأن عمل البشارة كان سيتخطى حدود اسرائيل. فكانوا سيخبرون الامم ايضا بأعمال يهوه العظيمة. — ١ كو ١٢:٤-١١؛ مز ٩٦:٣، ٧.
ويهوه اللّٰه ايضا صنع اعمالا عظيمة. فقد فتح ‹ابوابا› اتاحت للتلاميذ التبشير في مناطق معيَّنة. وحماهم من الذين يسعون لإيقاف خدمتهم، ووجَّه سير نشاطهم. وغالبا ما كان ذلك يحدث بعيدا عن انظار الناس. — اع ٥:١٧-٢٠؛ ٨:٢٦-٢٩، ٣٩، ٤٠؛ ٩:١-٨؛ ١٠:١٩-٢٢، ٤٤-٤٨؛ ١٢:٦-١١؛ ١٣:٢؛ ١٦:٦-١٠، ٢٥-٣٣؛ ١٨:٩، ١٠؛ ١ كو ١٦:٨، ٩.
أُنبئ مسبقا بأن القدرات العجائبية التي منحها الروح للرسل، والتي نقلوها لآخرين ايضا، تقتصر على فترة ‹طفولة› الجماعة المسيحية، وبأنها ستنتهي من بعدها. (١ كو ١٣:٨-١١؛ انظر «عطايا ومواهب من اللّٰه» [مواهب الروح].) وتذكر دائرة معارف مكلنتوك وسترونغ (مجلد ٦، ص ٣٢٠): «لا خلاف ابدا في انه خلال فترة المئة سنة بعد موت الرسل، نكاد لا نسمع شيئا عن قيام المسيحيين الاولين بعجائب». غير ان يسوع ورسله حذروا من اعمال عظيمة مخادعة يصنعها اعداء اللّٰه في المستقبل، وذلك على يد مرتدِّين وعلى يد وحش رمزي. — مت ٧:٢١-٢٣؛ ٢٤:٢٣-٢٥؛ ٢ تس ٢:٩، ١٠؛ رؤ ١٣:١١-١٣؛ انظر «الحيوانات والوحوش الرمزية».
تتجلى قدرة اللّٰه بوضوح شديد عند تأسيس مملكته بواسطة المسيح يسوع وما يلي ذلك من تنفيذ للاحكام الإلهية.