قصة حياة
خالِقي العَظيمُ رَآني
حينَ كُنتُ تِلميذًا، لم أُحِبَّ المَدرَسَة، ولم تَكُنْ عَلاماتي جَيِّدَة. كُنتُ أُفَضِّلُ أن أعمَلَ الأشياءَ وَحْدي بَعيدًا عنِ الأنظار، دونَ أن يَراني أحَد. والأكيدُ أنَّهُ لم يَكُنْ لَدَيَّ أيُّ سَبَبٍ لِأُفَكِّرَ أنَّ اللّٰهَ سيَراني. لِماذا؟
تَرَبَّيتُ في بيئَةٍ عَلمانِيَّة ومُلحِدَة في بَارِيس بِفَرَنْسَا. لم أكُنْ أُؤْمِنُ بِاللّٰه، بل كُنتُ مُقتَنِعًا بِنَظَرِيَّةِ التَّطَوُّر. ومَثَلي مَثَلُ كَثيرين، قَبِلتُها دونَ أن أطرَحَ الكَثيرَ مِنَ الأسئِلَةِ لِأنِّي اعتَبَرتُ أنَّ ما تَعَلَّمتُهُ في المَدرَسَةِ لا بُدَّ أن يَكونَ صَحيحًا. وهذِهِ النَّظَرِيَّةُ بَدَت لي مَنطِقِيَّة، لِذلِك لم أشعُرْ أنِّي بِحاجَةٍ أن أجِدَ أدِلَّةً أكثَرَ عن أصلِ الحَياة.
تربيت في عائلة ملحدة في باريس بفرنسا
كانَت نَظرَةُ والِدَيَّ إلى الدِّينِ سَلبِيَّة. فبِرَأْيِهِما، لَو كانَ اللّٰهُ مَوْجودًا، فلن يَكونَ العالَمُ مَليئًا بِالعَذابِ والظُّلم. ولِأنَّني رَأيتُ الكَثيرَ مِنَ النِّفاقِ في الدِّين، أنا أيضًا فَكَّرتُ أنَّهُ مِنَ الغَباءِ أن يُؤْمِنَ الشَّخصُ بِوُجودِ إلهٍ مُحِبّ. حتَّى إنِّي استَهزَأتُ بِالَّذينَ يُؤْمِنونَ بِاللّٰه.
ولكنِ اليَوم، أنا لَستُ مُقتَنِعًا فَقَط بِأنَّ هُناك خالِقًا، بل أُؤْمِنُ أنَّهُ يَهتَمُّ بي رَغمَ ضَعَفاتي. دَعوني أُخبِرُكُم ما الَّذي غَيَّرَ رَأْيي وكَيفَ قَلَبَت هذِهِ الحَقيقَةُ حَياتي.
في أواخِرِ مُراهَقَتي، دُعيتُ إلى الخِدمَةِ العَسكَرِيَّة الإجبارِيَّة وأُرسِلتُ إلى غِيَانَا الفَرَنْسِيَّة في أَمِيرْكَا الجَنوبِيَّة مُدَّةَ سَنَة. وهذا المَكانُ المُنعَزِلُ والجَميلُ كانَ سيَترُكُ أثَرًا كَبيرًا في حَياتي.
حينَ صارَ عُمري ٢٠ سَنَة، عُدتُ إلى بَارِيس. وسُرعانَ ما تَحَوَّلَت حَياتي إلى حَلقَةٍ مُفرَغَة مِنَ العَمَلِ طَوالَ الأُسبوعِ ثُمَّ الشُّربِ والحَفلاتِ في نِهايَةِ الأُسبوع. كانَت حَياتي بِلا مَعْنى. وكُلُّ مُتعَةٍ أحسَستُ بها لم تَدُمْ طَويلًا. ولم يَكُنْ لَدَيَّ أيُّ هَدَفٍ أسْعى وَراءَه. أيضًا، خابَ أمَلي بِسَبَبِ الفَساد، التَّمييزِ العُنصُرِيّ، والفَقرِ في المُجتَمَع. فقد رَأيتُ أشخاصًا أبرِياءَ يَتَعَذَّبون. كما تَضايَقتُ بِسَبَبِ الدَّمارِ الَّذي يُلحِقُهُ النَّاسُ بِالبيئَة. أرَدتُ شَيئًا أفضَل. وشَعَرتُ بِالحَنينِ إلى حَياتي في أَمِيرْكَا الجَنوبِيَّة.
البَحثُ عن حَياةٍ أفضَلَ في الغابَةِ المَطيرَة
عُدتُ إلى إحْدى القُرى المُنعَزِلَة في غِيَانَا الفَرَنْسِيَّة حَيثُ خَدَمتُ في الجَيش. كُنتُ آمُلُ أن يَصيرَ لِحَياتي مَعْنًى أكبَرُ إذا كُنتُ مُحاطًا بِالطَّبيعَةِ وأُدَخِّنُ الْمَارِيجْوَانا وأعيشُ بِهُدوء. ولكنْ بَعدَ وَقتٍ قَصير، عادَت حَياتي كما كانَت: أعمَلُ كُلَّ أيَّامِ الأُسبوعِ كَي أذهَبَ إلى الحَفلاتِ في نِهايَةِ الأُسبوع.
خِلالَ ذلِكَ الوَقت، أعْطاني شَخصٌ كِتابًا مُقَدَّسًا. فقَرَأتُ بَعضَ المَقاطِعِ مِنه، آمِلًا أن أجِدَ فيهِ نَصائِحَ تُساعِدُني أن أعيشَ حَياةً أفضَل. لكنِّي لم أفهَمْ ما قَرَأتُه.
كانَ بَعضُ أصدِقائي أيضًا يُفَتِّشونَ مِثلي عن مَعْنى الحَياة. فعَرَضوا علَيَّ أن أعيشَ معهُم في إحْدى الغاباتِ المَطيرَة ضِمنَ تَجَمُّعٍ سَمَّوْهُ «يُونِيتِي»، ومَعْناهُ الوَحدَة.
(إلى اليمين) كوخ في التجمع الذي اسمه «يونيتي»
(إلى الشمال) حين كنت أعيش في الغابة المطيرة
كانَتِ الحَياةُ في الغابَةِ بَسيطَةً وشَعَرنا بِالحُرِّيَّة. عَمِلْنا كُلَّ شَيءٍ بِالطَّريقَةِ وبِالسُّرعَةِ الَّتي نُريدُها، ولم يَكُنْ هُناك مَن يُحاسِبُنا. كُنَّا نَستَيقِظُ مع شُروقِ الشَّمسِ ونَنامُ عِندَ الغُروب، نَزرَعُ طَعامَنا، نَعزِفُ الموسيقى، ونُدَخِّنُ الْمَارِيجْوَانا. كما أنَّنا اعتَنَينا بِالأرضِ وتَشارَكنا في كُلِّ شَيء. كُنَّا نَأكُلُ فَقَط الخُضارَ والفَواكِهَ لِأنَّنا لم نُرِدْ أن نُؤْذِيَ الحَيَوانات. لم نَحتَرِمِ السُّلُطاتِ كَثيرًا، ولم نَتَرَدَّدْ في كَسرِ القانونِ ما دامَ ذلِك يُناسِبُنا ولا يُؤْذي أحَدًا.
أرَدنا أن نُغَيِّرَ العالَمَ لِيَصيرَ مِثلَ العالَمِ الَّذي نَعيشُ نَحنُ فيه. ففي تَجَمُّعِنا، لا أحَدَ كانَ لَدَيهِ سُلطَةٌ على الآخَر. كُنَّا نَحتَرِمُ واحِدُنا الآخَرَ بِغَضِّ النَّظَرِ عن خَلفِيَّاتِنا. ولكنْ في النِّهايَة، أدرَكتُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا لَدَيهِ ضَعَفاتُهُ ويَسْعى وَراءَ مَصالِحِهِ الخاصَّة. ومعَ الوَقتِ بَدَأنا نُواجِهُ المَشاكِلَ نَفْسَها الَّتي تُواجِهُها المُجتَمَعاتُ عُمومًا. بَقِيَ البَعضُ في هذا التَّجَمُّعِ أيَّامًا قَليلَة فَقَط، وآخَرونَ أسابيعَ أو أشهُرًا. أمَّا أنا فبَقيتُ أكثَرَ مِن سَنَتَيْن.
حينَ كُنتُ أعيشُ في الغابَة، لاحَظتُ كمِ الأرضُ كَريمَةٌ في تَأمينِ حاجاتِنا. وفي أحَدِ الأيَّام، قَرَّرتُ أن أعُدَّ بُذورَ فاكِهَةِ البابايا. طَبعًا لم أقدِرْ أن أعُدَّها كُلَّها، فعَدَدُها كانَ كَبيرًا جِدًّا! ففَكَّرتُ بَيني وبَينَ نَفْسي: ‹لِماذا الأرضُ كَريمَةٌ معنا إلى هذِهِ الدَّرَجَة؟ إنَّها مِثلُ بَيتٍ جُهِّزَ بِكُلِّ عِنايَةٍ لِيَستَقبِلَ أحَدًا›. فاستَنتَجتُ أنَّهُ مِنَ المُستَحيلِ أن يَكونَ ذلِك مُجَرَّدَ صُدفَة. ولكنْ مَنِ الَّذي جَهَّزَ كُلَّ هذا مِن أجْلِنا؟ لا بُدَّ أن يَكونَ هُناك خالِق. لكنِّي لم أعرِفْ شَيئًا عنه.
تابَعتُ قِراءَةَ الكِتابِ المُقَدَّس. وهذِهِ المَرَّة، أرَدتُ أن أعرِفَ ما يَطلُبُهُ اللّٰهُ مِنِّي. فبَدَأتُ أُصَلِّي وأرسُمُ إشارَةَ الصَّليبِ دونَ أن أعرِفَ ماذا تَعْني. وتَساءَلتُ إن كانَ اسْمُ الخالِقِ هو يَاه، كما وَرَدَ في بَعضِ الأغاني الَّتي كُنَّا نُغَنِّيها في تَجَمُّعِنا.
التَّعَرُّفُ على أبي الكَريم
حينَ أتَذَكَّرُ الفَترَةَ الَّتي بَدَأتُ فيها أُصَلِّي، أشعُرُ أنَّ الخالِقَ رَأى رَغبَتي أن أعرِفَهُ أكثَر. وكانَ أحَدُ أصدِقائي في التَّجَمُّعِ قدِ الْتَقى بِشُهودِ يَهْوَه، وحَصَلَ على كِتاب يُمكِنُكُم أن تَحْيَوْا إلى الأبَدِ في الفِردَوسِ على الأرض.a وفيما كُنتُ أقرَأُه، اندَهَشتُ بِما تَعَلَّمتُه! أحبَبتُ الأمَلَ بِأن أعيشَ إلى الأبَدِ على أرضٍ تَحَوَّلَت إلى فِردَوس. هذا بِالضَّبطِ ما كُنتُ أبحَثُ عنه: أن أعيشَ على الأرضِ في ظُروفٍ مِثالِيَّة وبِسَلامٍ مع أشخاصٍ أُحِبُّهُم، دونَ أن أذوقَ أبَدًا طَعمَ المَوت. فأرَدتُ أن أقتَرِبَ أكثَرَ إلى هذا الخالِقِ الكَريمِ الَّذي قَصَدَ أن يُعْطِيَنا هذا المُستَقبَلَ الرَّائِع.
أدرَكتُ أنَّ علَيَّ أن أعمَلَ تَغييراتٍ في حَياتي، لكنِّي عَرَفتُ أيضًا أنِّي سأحتاجُ إلى المُساعَدَة. لِذلِك طَلَبتُ مِن صَديقٍ آخَر أن يُعَرِّفَني على مِيشَال، وهو مُرسَلٌ مِن شُهودِ يَهْوَه كانَ يَدرُسُ مَعَه.
في اليَومِ نَفْسِهِ الَّذي تَعَرَّفتُ فيهِ على مِيشَال، دَعاني إلى اجتِماعٍ سَنَوِيٍّ في مَاتُورِي، قُربَ العاصِمَةِ كَايِين، الَّتي تَبعُدُ أكثَرَ مِن ٢٤٠ كيلومِترًا. كانَ شَعري طَويلًا، ولِحيَتي غَيرَ مُرَتَّبَة. كُنتُ ألبَسُ بَنطَلونًا بَنَفسَجِيًّا وزَهرِيًّا علَيهِ نُقوشٌ مَرسومَة بِالمُبَيِّض، وقَميصي كانَ أكبَرَ مِنِّي بِعِدَّةِ قِياسات. ولكنْ رَغمَ مَظهَري، أمَّنَ لي الإخوَةُ والأخَواتُ وَسيلَةَ نَقلٍ لِأصِلَ إلى هذا الاجتِماع، طَعامًا، ومَكانًا أنامُ فيه. ومَحَبَّةُ الشُّهودِ لي وكَرَمُهُم أقنَعاني أنِّي وَجَدتُ الحَقّ.
في ذلِكَ الاجتِماعِ السَّنَوِيّ، ناقَشَ أحَدُ الخِطاباتِ الآيَةَ في ١ تِيمُوثَاوُس ٥:٨. توضِحُ هذِهِ الآيَةُ أنَّ رَأسَ العائِلَةِ الجَيِّدَ يَعتَني بِأفرادِ عائِلَتِه. وتَعَلَّمتُ أنَّ يَهْوَه يُطَبِّقُ هذا المَبدَأَ على نَفْسِهِ وأنَّهُ سيَعتَني دائِمًا بِأفرادِ عائِلَتِه. لِذلِك فَكَّرتُ أنِّي إذا وَضَعتُ ما يُريدُهُ يَهْوَه أوَّلًا في حَياتي، فلا داعي أن أقلَقَ لِأنَّهُ سيَهتَمُّ بي. ومعَ الوَقت، اقتَنَعتُ أكثَرَ بِهذِهِ الفِكرَةِ فيما رَأيتُ مِثالَ مِيشَال. فهو رَكَّزَ على فِعلِ ما يُريدُهُ يَهْوَه، ومع ذلِك، لم يَنقُصْهُ شَيءٌ وكانَ سَعيدًا جِدًّا.
فيما تَقَدَّمتُ في دَرسي لِلكِتابِ المُقَدَّس، قُمتُ بِتَغييراتٍ في حَياتي. فقَرَّرتُ أن أتَوَقَّفَ عن تَدخينِ التَّبغِ والْمَارِيجْوَانا. وحالَما أخَذتُ هذا القَرار، رَمَيتُ ما تَبَقَّى عِندي مِن تَبغٍ ومَارِيجْوَانا في النَّار، ولم ألمُسِ السَّجائِرَ أبَدًا بَعدَ ذلِك. بَدَأتُ أيضًا أحضُرُ بَعضَ الاجتِماعات. وفي أحَدِ الاجتِماعات، طَلَبتُ مِن أخٍ أن يَقُصَّ شَعري الطَّويل، فلَبَّى طَلَبي فَوْرًا وقَصَّ شَعري في القاعَة.
بَعدَ بِضعَةِ أسابيع، تَرَكتُ التَّجَمُّعَ في غِيَانَا الفَرَنْسِيَّة وعُدتُ إلى فَرَنْسَا. وهُناك وَجَدتُ قاعَةَ مَلَكوتٍ وتابَعتُ دَرسي في الكِتابِ المُقَدَّس. مع أنَّ حَياتي كانَت قد تَحَسَّنَت، استَغرَبَت عائِلَتي كَثيرًا التَّغييراتِ الَّتي قُمتُ بها. فأنا لم أعُدْ أُدَخِّنُ وأسكَرُ وأذهَبُ إلى الحَفلاتِ غَيرِ المَضبوطَة. لكِنَّهُم تَضايَقوا مِن أُسلوبي في التَّبشيرِ لِأنَّهُ لم يَكُنْ سَلِسًا. فعَرَفتُ لاحِقًا أنَّ علَيَّ أن أكونَ لَبِقًا أكثَرَ وآخُذَ مَشاعِرَهُم بِعَيْنِ الاعتِبار.
بَعدَ أنِ اعتَمَدتُ سَنَةَ ١٩٩٦، صَلَّيتُ إلى يَهْوَه وأخبَرتُهُ عن رَغبَتي أن أصيرَ مُرسَلًا مِثلَ مِيشَال. فقدِ اعتَبَرتُ أنَّ هذِه أفضَلُ طَريقَةٍ أُظهِرُ فيها تَقديري لِيَهْوَه.
بَرَكاتٌ إضافِيَّة مِن أبي السَّماوِيّ
في جَماعَتي، لَفَتَت نَظَري أُختٌ جَميلَة اسْمُها كْلُودِين. لاحَظتُ أنَّها حَماسِيَّةٌ في الخِدمَة، وأجوِبَتُها في الاجتِماعاتِ أظهَرَت لي أنَّها تُحِبُّ يَهْوَه كَثيرًا. فأرَدتُ أن أتَعَرَّفَ علَيها أكثَر. ولكنْ أوَّلًا أرَدتُ أن أعرِفَ إذا كانَت تُحِبُّ أن تَخدُمَ كمُرسَلَة. وفِعلًا كانَت هذِه رَغبَتَها! فتَزَوَّجنا في نَيْسَان (أَبْرِيل) سَنَةَ ٢٠٠٠.
(إلى اليمين) يوم زفافنا
(إلى الشمال) أقدم خطابًا في الفريق الصيني سنة ٢٠٠٦
في السَّنَةِ التَّالِيَة، بَدَأنا معًا خِدمَةَ الفَتح. وبَعدَ فَترَة، قَرَّرنا أن نَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ الصِّينِيَّة المَنْدَرِينِيَّة لِنَدعَمَ فَريقًا صِينِيًّا في جَماعَةٍ قَريبَة. كانَت هذِهِ اللُّغَةُ صَعبَةً جِدًّا علَيَّ. ولَزِمَ أن أتَعَوَّدَ على طَريقَةِ تَفكيرٍ مُختَلِفَة وأبتَكِرَ أساليبَ جَديدَة في الخِدمَة. وبِصَراحَة، ما زِلتُ حتَّى اليَومِ لا أتَكَلَّمُ المَنْدَرِينِيَّة جَيِّدًا، لكنِّي عَمِلتُ كُلَّ جُهدي لِأتَعَلَّمَها. قَضَينا سَنَواتٍ رائِعَة لا تُنْسى معَ الإخوَةِ والأخَواتِ الصِّينِيِّين. لم تَكُنْ هذِه بَرَكَةً كَبيرَة فَقَط، بل تَدريبًا ضَرورِيًّا لِتَعييناتِنا اللَّاحِقَة.
مُواجَهَةُ التَّحَدِّيات
على مَرِّ السَّنَوات، تَغَلَّبتُ على صُعوباتٍ كَثيرَة. مَثَلًا، شَعَرتُ أنَّ جُهودي لِأُعْطِيَ يَهْوَه وإخوَتي أفضَلَ ما لَدَيَّ لم تَكُنْ كافِيَةً أبَدًا. لِذلِك، قَضَيتُ وَقتًا أكثَرَ مِنَ اللَّازِمِ وأنا أُحَضِّرُ تَعييناتي التَّعليمِيَّة. مع ذلِك، شَعَرتُ بِالإحباطِ لِأنِّي لم أقدِرْ أن أصِلَ إلى المَقاييسِ العالِيَة وغَيرِ الواقِعِيَّة الَّتي وَضَعتُها لِنَفْسي. (جا ٧:١٦) إحتَجتُ أن أرى يَهْوَه كأبٍ مُحِبٍّ لا يَتَطَلَّبُ الكَمالَ بل يُقَدِّرُ جُهودَنا لِنُعْطِيَهُ أفضَلَ ما عِندَنا.
في بَارِيس، تَعَيَّنتُ ناظِرَ دائِرَةٍ بَديلًا. أحسَستُ أنِّي صَغيرٌ في العُمرِ ولَيسَ لَدَيَّ خِبرَةٌ كافِيَة لِأقومَ بِهذا التَّعيين. لكنِّي تَعَلَّمتُ أنَّ روحَ يَهْوَه القُدُسَ يُساعِدُنا أن نُنجِزَ أكثَرَ بِكَثيرٍ مِن ما نَقدِرُ أن نُنجِزَهُ وَحْدَنا.
واجَهتُ أيضًا تَحَدِّيًا آخَر. فمُنذُ طُفولَتي، عانَيتُ مِن فَرطِ التَّعَرُّق. وهذِهِ المُشكِلَةُ تُؤَثِّرُ بِشَكلٍ خاصٍّ على يَدي. ووَضعي يَصيرُ أسوَأَ حينَ أكونُ تَحتَ الضَّغط، مَثَلًا عِندَما أُلقي خِطابًا أمامَ الحُضورِ في اجتِماعٍ دائِرِيٍّ أو سَنَوِيّ. لكنِّي أقدِرُ أن أُخَفِّفَ مِن حِدَّةِ هذِهِ الحالَةِ حينَ أُصَلِّي إلى يَهْوَه لِيُعْطِيَني السَّلام. طَبعًا، المُشكِلَةُ لم تَختَفِ، لكنِّي كُلَّما اتَّكَلتُ على يَهْوَه، شَعَرتُ أكثَرَ بِالهُدوءِ وتَعَرَّقتُ أقَلّ.
سَنَةَ ٢٠١١، أظهَرَ لنا يَهْوَه لُطفًا كَبيرًا وحَقَّقَ رَغبَةً كانَت في قَلبِنا مُنذُ سَنَواتٍ طَويلَة. فقد بَدَأنا بِالخِدمَةِ الإرسالِيَّة في كَالِيدُونِيَا الجَديدَة، وهي مَجموعَةُ جُزُرٍ في جَنوبِ غَربِ المُحيطِ الهادِئ، وتَبعُدُ أكثَرَ مِن ٠٠٠,١٦ كيلومِترٍ عن بَارِيس. تَضَمَّنَ هذا التَّعيينُ أيضًا تَحَدِّياتٍ عَديدَة. فكانَ علَينا أن نَتَعَوَّدَ على طَعامٍ جَديدٍ مِثلِ المَنيهوتِ والقُلقاسِ واليام، وكَذلِك على أصواتِ صِياحِ الدُّيوكِ ونِباحِ الكِلابِ الَّتي كانَت توقِظُنا مِن نَومِنا في الصَّباحِ الباكِر. إضافَةً إلى ذلِك، لَزِمَ أن نَتَأقلَمَ مع أُسلوبٍ جَديدٍ في التَّواصُل. ففي أغلَبِ الأحيان، لم يَكُنْ سُكَّانُ الجَزيرَةِ يُجيبونَنا بِالكَلامِ بل فَقَط بِرَفعِ حَواجِبِهِم.
تعرفت إلى الحق في غيانا الفرنسية، واعتمدت في فرنسا، وأنا اليوم أخدم مع زوجتي في كاليدونيا الجديدة
ساعَدَنا يَهْوَه لِنَتَأقلَمَ معَ التَّعييناتِ الثِّيوقراطِيَّة الجَديدَة. فقد خَدَمْنا كمُرسَلَيْنِ في الحَقلِ وأيضًا خَدَمْنا بِضعَ سَنَواتٍ في بَيْت إيل. كما أنَّنا حَضَرنا مَدرَسَةَ الكارِزينَ بِالمَلَكوت، ونَحنُ الآنَ نَخدُمُ في العَمَلِ الدَّائِرِيّ. لَمَسْنا دَعمَ يَهْوَه مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُسِ في كُلِّ تَعيين. وهو عَلَّمَني أنَّ ضَعَفاتي الشَّخصِيَّة لا تَجعَلُني بِالضَّرورَةِ أقَلَّ نَفعًا له. لِذلِك، أُصَلِّي إلَيهِ دائِمًا مِن كُلِّ قَلبي وأطلُبُ مِنهُ أن يُساعِدَني لِأُتَمِّمَ ما هو مَطلوبٌ مِنِّي. صَحيحٌ أنِّي لا أزالُ أتَوَتَّرُ أمامَ الحُضور، ولكنْ بِمُساعَدَةِ اللّٰهِ أقدِرُ أن أُقَدِّمَ التَّشجيعَ والإرشادَ لِلجَماعاتِ الَّتي نَزورُها.
خِلالَ كُلِّ هذِهِ التَّغييراتِ الَّتي عِشناها، كانَت كْلُودِين دَعمًا مُستَمِرًّا لي. فهي تَصبِرُ كَثيرًا على ضَعَفاتي، وتَدعَمُني في خِدمَتي، ودائِمًا مُستَعِدَّةٌ لِتُبَشِّرَ بِحَماسَة. وهي لا تَتَذَمَّرُ أبَدًا بِسَبَبِ الطَّقسِ الحارِّ والتَّحَدِّياتِ الأُخْرى الَّتي نُواجِهُها في العَمَلِ الدَّائِرِيّ.
في الخدمة الدائرية في كاليدونيا الجديدة
في أوَّلِ اجتِماعٍ سَنَوِيٍّ لي تَعَلَّمتُ أنَّ يَهْوَه، الخالِقَ العَظيم، يَهتَمُّ دائِمًا بِعُبَّادِه. فقَرَّرتُ أن أضَعَهُ أوَّلًا في حَياتي وحَصَلتُ بِالنَّتيجَةِ على بَرَكاتٍ كَثيرَة. وهو يُساعِدُني أن أتَبَنَّى النَّظرَةَ الصَّحيحَة إلى الَّذينَ في السُّلطَةِ وأن أكونَ مُتَواضِعًا. صَحيحٌ أنِّي تَوَقَّفتُ عن مُعاشَرَةِ أصدِقائي في العالَمِ كَي أعيشَ حَسَبَ مَقاييسِ يَهْوَه، لكنَّهُ عَوَّضَ عن ذلِك بِإعطائي الكَثيرَ مِنَ الأصدِقاءِ الحَقيقِيِّين. كما أنِّي وَجَدتُ زَوجَةً مُمَيَّزَة، ولَدَيَّ الأمَلُ الرَّائِعُ أن أتَمَتَّعَ بِكَرَمِ يَهْوَه مَدى الأبَدِيَّة. — مر ١٠:٢٩، ٣٠.
a إصدارُ شُهودِ يَهْوَه، لكنَّهُ لم يَعُدْ يُطبَعُ الآن.